ارض جديدة وكيف تكتشف الهدف من حياتك

كتاب / A new earth

ارض جديدة وكيف تكتشف الهدف من حياتك

“الذاتية”، أو كما نقول اليوم “الشخصنة”، قد تكون من اخطر الأمور التي تواجهها البشرية اليوم. ولكن الفيلسوف والمفكر ايكهارت توللى يطمئن الجميع بأن البشرية اليوم لديها الفرصة، أكثر من اى وقت مضى، أن تخلق عالما جديدا صحيا ومحبا. ولكن لتحقيق هذا التحول علينا أن نقوم بالتحول أولا من داخل أنفسنا، علينا أن نقوم بقفزة داخلية من إدراك بالذاتية إلى إدراك جديد تماما، إدراك بالعالم كله من حولنا.
وفى كتابه “أرض جديدة” وكيف تكتشف الهدف من حياتك، يوضح توللى طبيعة هذا التحول في الوعي العام والخاص، ويشرح كيف يعمل وعينا الحالي الذي يقوم على الذاتية. ثم يقودنا بكلمات عملية إلى هذا الوعي الجديد. في كتابه الأخير سوف نتعرف على أنفسنا ونعرف حقيقتنا، وهو شيء نادر في هذا العصر، فان آفة العصر الحالي هو أننا لم نعد نعرف من نحن حقيقة، وأصبحنا قيد الماديات والمغريات التي تلاحقنا وتحيط بنا من كل الجهات.

ايكهارت توللى ولد في ألمانيا في عام 1948 وعاش طفولة وفترة شباب تعيسة بعد انفصال والديه، ويقول توللى انه سافر مع والده إلى اسبانيا وهو في سن الشباب وشعر باكتئاب فحاول أن يبحث عن إجابات عن كل التساؤلات التي كانت تملأ ذهنه. إلى إن استطاع أن يحقق تحول داخلي كبير في سن 29 عاما، وبالرغم من انه أمضى بعض السنوات بلا استقرار وبلا عمل، ألا انه كان يشعر بالسكينة والسلام الداخلي. بعد ذلك انتقل إلى الولايات المتحدة، وبدأ يكتب عن التحول الذاتي الداخلي في كتابه الأول الذي عرضناه هنا بعنوان “قوة اللحظة الراهنة”، ونشره في عام 1997. وعاش توللى في فانكوفر بكندا لمدة عشر سنوات، كتب خلالها عدة كتب منها كتابنا الحالي “أرض جديدة” الذي لاقى نجاحا كبيرا ووزع منه خمسة ملايين نسخة في شمال أمريكا فقط.

ما هي الأرض الجديدة؟
أنها حالة الصحوة التي سوف يقودنا الكتاب إليها، إنها “السكينة” الداخلية. يبدأ توللى كتابه بتوضيح العائق الاساسى الذي يمنعنا من الوصول إلى حالة الصحوة: وهو الذات. ويوضح أن كلمة “أنا” في حقيقة الأمر تعمل على استبعاد كل شئ أخر في حياتنا، لأن الأنا تختزل كياننا في عقلنا وفى الجنس الذي ننتمي إليه وفى ممتلكاتنا التي تراكمت، وفى دورنا الاجتماعي، الخ… ويشبه توللى هذه “الأنا” بأمواج البحر؛ فكل “أنا” هي موجة واحدة، وهى محدودة في مكانها وكيانها، ولكن على المرء أن يدرك انه جزء من المحيط بالكامل وليس مجرد موجة، لأن أن كانت الموجة مؤقتة، فان المحيط لانهائي.
والاهم ليس ما نملكه، فنحن لسنا الملابس التي نرتديها ولا السيارة التي نقودها أو المنزل الذي يؤوينا، بل حقيقتنا تكمن في داخلنا؛ وعلينا أن ندرك أننا لو فقدنا كل تلك الممتلكات فانه يتبقى عندنا كياننا الداخلي الذي لا يستطيع احد أن يسلبه مننا. وعلينا أن ندرك أن حقيقتنا تكمن أيضا في توحدنا مع كل ما يحيط بنا في كل لحظة من لحظات الوجود. وليس في تمييزنا عن الآخرين. في تلك اللحظة من التوحد سيختفي كل القلق الذي يلازمنا بالضرورة ويرتبط مع الذات ومع الأنا. وفى تلك اللحظة سنصبح أحرارا وسيلازمنا الشعور بالرضا والسلام الداخلي. وبالنسبة لايكهارت توللى فان كلمة السر لكل نجاح وسعادة هي في ثلاث كلمات: “التوحد مع الحياة”.
وان أردنا أن نقضى على الأنا، فعلينا أن نسعى إلى أن نعيش الحياة بكل ما تزخر به في اللحظة الراهنة، وان نصادق الحاضر؛ لان التركيز على الراهن، هو التركيز على الكيان بدلا من على الفعل، وعلى الحاضر بدلا من على الشكل.

“يتصور الناس أنهم يعتمدون في سعادتهم على ما يحدث، أي أنهم يعتمدون على الشكل. ولكنهم لا يدركون أن ما يحدث لهم هو أكثر الأمور غير المستقرة في الكون، أنها دوما في حالة تغير. هؤلاء يرون اللحظة الراهنة سواء على أنها تشوهت بسبب ما حدث وهو ما لم يكن من المفروض أن يحدث، أو على أنها انتقصت بسبب ما لم يحدث وكان لابد أن يحدث. لذلك فان هؤلاء يفوتهم الكمال الأعمق الكائن في الحياة نفسها، كمال موجود دوما هنا، بغض النظر عما حدث أو ما لم يحدث. بغض النظر عن الشكل”.

يوجه توللى الانتباه إلى أن في حياتنا هناك ثروات عدة موجودة بالفعل داخلنا؛ يبقى علينا أن نكتشفها وندرك وجودها، لأنها هي أساس كل الثروة التي يمكن أن نحصل عليها.

يقول توللى أن الهدف من الكتاب ليس في إضافة معلومات أو معتقدات جديدة على تلك التي نملكها بالفعل. ولا في إقناعك بأي شئ. ولكن هدفه أن يحقق تحولا في وعيك؛ أي أن يوقظ الإنسان داخلك. هذا الكتاب يتحدث عنك، وسوف يغير، كما يقول توللى، حالة وعيك، وان لم يفعل فسيكون الكتاب بلا أهمية. ولكن الكتاب سوف يوقظ فقط هؤلاء الذين على استعداد للدخول في تلك التجربة، هؤلاء الذين يبحثون عن أنفسهم بالفعل.

ما هي الذاتية؟
يقول توللى أن معظم الناس يربطون أنفسهم بالصوت الأتى إليهم من العقل، من سلسلة التفكير المستمرة والتى غالبا ما تكون مفروضة على العقل، ونقول عن هؤلاء أن تفكيرهم سيطر عليهم. وغالبا ما يتصور الشخص انه هو “هذا الذي يفكر”. يقول توللى أن هذا العقل هو “العقل الذاتي”. وهو ذاتي لأن فيه “أنا” قوية في كل فكرة وفى كل ذكرى وفى كل تفسير أو رأى أو رد فعل أو أحاسيس.
ولكن يجب أيضا أن ندرك أن تفكيرنا هو نتيجة أو خلاصة ما حدث في الماضي: سواء كان ذلك مرتبطا بأسلوب تربيتك أو الظروف التي أحاطت بنشأتك أو أصل العائلة التي جئت منها. لذا فان مركز النشاط الذي يشهده عقلك هو في حقيقة الأمر أفكار ومشاعر وردود فعل متكررة بإصرار، وهى كلها ناتجة عن “أنا”، أو الذاتية. وليست ناتجة عن نفسك أو ما أنت حقيقة.
لذا يمكن القول أن الشكوى والضجر هما احد أهم الاستراتيجيات التي تستخدمها الذات لتقوى نفسها. فكل شكوى هي في الحقيقة قصة يخترعها العقل ويؤمن بها تماما. وبعض الذاتية تعيش فقط على الشكوى المستمرة سواء كانت شكوى علنية أو مجرد داخلية. فهناك من يعشق الشكوى من الآخرين، وهناك من يستخدم الشتائم، وهى كما يقول توللى إحدى أسوأ أنواع الإشكال التي تستخدمها الذات من اجل إثبات صحة ما تقول أو من اجل الانتصار على الآخرين في الجدال. لأن المرء لا يستطيع أن يجادل بالشتائم.
فان أردت أن تخرج من تلك الدائرة الجهنمية من الذاتية يجب أولا أن تكون واعيا بها. أن تنفصل عن نفسك وتنظر إليها كما لو كنت تستمع إلى شخص أخر يتحدث، وتتأمل ما تقول.

الصراع الداخلي
يقول توللى أن في بعض الأحيان يحاول المرء أن يدافع عن نفسه ويمنع الآخرين من إلحاق الضرر به. ولكنه يحذر، بالرغم أن هذا حقك، إلا انه قد يؤدى إلى أن تصبح مثل هؤلاء الذين تحاول الدفاع عن نفسك منهم. ويقول توللى أن محاولات التصدي للشئ يقويه، ومحاولات مقاومة الشئ يعطيه استمرارية.
فان الحروب التي تعلن اليوم مثل الحروب ضد المخدرات وضد الإرهاب وضد الفقر، كلها تؤدى في النهاية إلى تقوية المخدرات والإرهاب والفقر؛ فبالرغم من إعلان كل تلك الحروب إلا أننا نعانى اليوم أكثر من اى وقت مضى من المخدرات ومن الإرهاب ومن الفقر.
هل تريد أن تضع حدا لهذا الصراع وتعيش في سلام حقيقي مع النفس؟ أن يعيش المرء في سلام مع نفسه هو أن يعرف فعلا حقيقة نفسه. ولكن النفس ليست في الدور الذي تلعبه، فأنت لست الأب أو إلام، ولست الموظف أو الطبيب، ولست الرجل أو المرأة، أن كل ما سبق هي مجرد أدوار نلعبها، ولكنها ليست النفس. علينا أن نفصل أنفسنا عن الأدوار التي نلعبها والتي قد تنتهي يوما ما، فسوف ينتهي دور الأبوة عندما يكبر الطفل ويصبح رجلا، وينتهي دورنا كموظف أو طبيب أو مهندس عندما نتوقف عن العمل… وذلك ليس معناه انتهاء حياتنا. فيجب علينا أن نتوحد مع الحياة ومع اللحظة الراهنة ونقبل بتغيير الأدوار التي تتوالى علينا حتى نتعرف على نفسنا. وحتى نجد السلام الداخلي.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s